17/10/2024
من بداية ظهور في عالم السوشيال ميديا، ومحتواها بيدور حوالين فكرة واحدة مركزية، والباقي مجرد تفاصيل، والفكرة دي هي:
I am not previliged..I deserve my success
أو: أنا لم أحصل على أي امتياز اجتماعي، واستحققت نجاحي بنفسي
ومن أول فيديو، أثارت عاصفة من ردود الفعل، كتير منها كانت من ناس بتنتمي لنفس طبقتها الاجتماعية، لكن عندهم تصالح أكبر مع فكرة الامتياز الاجتماعي والاقتصادي اللي قدمهالهم انتمائهم الطبقي والعائلي..
لأنه في الحقيقة مش عيب أبدا انك تستفيد من الإمكانيات اللي بتوفرهالك الشبكة الاجتماعية بتاعتك، وده شئ بيعمله كل الناس من كل الطبقات، لكن العيب انك تحاول تخفي ده وتفضل طول الوقت تأكد على العكس..
وزي مابتوع علم النفس بيقولولنا، الرسايل اللي طول الوقت بنحاول نأكد عليها، هي في الحقيقة الرسايل اللي احنا بنكون مش متأكدين منها، وحاسين اننا محتاجين نضغط عشان نفرضها على وعينا وعلى وعي المحيطين بينا..
ولذلك، تبدو هادية غالب طول الوقت عندها قلق "الاستحقاق" و"الكفاءة"..طول الوقت بتحاول تفرض صورة مثالية عن نفسها باعتبارها الشخصية "الناجحة" "العملية" "القوية"...أو دي الصورة اللي هي بتحاول تشوف نفسها فيها..
لكن لأن الصورة دي في الحقيقة صورة "قلقة" (يعني فيها قدر كبير من الافتعال)، فبتفضل الصورة بحاجة طول الوقت الى وقود دائم من التأكيد والتذكير وإعادة التأكيد، وإلا يسيطر القلق على الموقف..
القلق اللي فجّره شخص عابر في برنامج عابر لم يتوقع أحد إنه يكون قادر على فهم طبيعة الشخصية المركبة دي ببساطة، من غير حتى مايكون شايفها، ويطعن في سرديتها عن نفسها..
ومن زاوية السردية دي، هادية بدأت تعيد تشكيل علاقاتها بناء على معادلة بسيطة: اللي يعتمد سرديتي يبقى حبيبي وكفاءة، واللي مايعتمدهاش يبقى عدو النجاح والكفاءة والاستحقاق وعدو كل حاجة حلوة في الحياة..
والمسلسل اللي بنشوفه دلوقتي هو في الحقيقة معركة متعددة الحلقات، بتخوضها هادية غالب لمحاولة طمأنة نفسها وتهدئة الفزع اللي أثاره الضيف المقابل ليها في ال(Blind date show)
وبتستخدم هادية في المعركة دي كل أنواع الابتزاز الممكنة وغير الممكنة، عشان يتعاطف المشاهد معاها وينضم لسردية "أسطورة النجاح المستحق" ويقبل بفكرة "هادية اللي محور حياتها النجاح، واللي ماتقبلش بشخص أقل نجاحا"..
لكن ايه ياترى مصدر القلق الرهيب ده؟
ويعني ايه نجاح هنا بالتحديد؟ وايه بالظبط اللي هادية ناجحة فيه؟
تنجح هادية بالفعل كشخص مثير للجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، تماما مثل و وغيرهم من نجوم الفضاء الإليكتروني الكرتونيين..لكنها تمتاز عنهم بقدرتها على إدارة العلاقات العامة، وبعض الأفكار الدعائية الجذابة..لكن هل يمكننا اعتبار هادية "سيدة أعمال"؟ أو: هل تقوم هادية بأي انتاج حقيقي؟
تخبرنا محاولاتها المستمرة بالعكس..فهادية تقوم بالترويج لمنتجات تحمل اسمها، بينما يقوم على تصميمها أشخاص محترفون، وعلى تنفيذها أشخاص آخرون محترفون أيضا، وعلى إدارتها أشخاص من ذوي الخبرة الطويلة، على رأسهم والدها، المهندس ، وهو نفسه الشخص اللي بيمثل مفتاح فهم الأزمة الشخصية اللي بتعيشها هادية..
ينتمي طارق غالب والد هادية، (وكذلك والدتها)، من حيث التعليم والنشأة إلى الطبقة الوسطى المحافظة اجتماعيا، لكنه من تلك الفئة الاستثنائية التي حققت تراكما ماليا معقولا خلال فترة الثمانينات اللي شهدت انفتاح البيئة الخليجية أمام المهنيين المصريين على مصراعيها وكذلك انفتاح السوق المصري على مغامرات استثمارية عديدة..
والتراكم المالي الاستثنائي ده هو اللي سمح لطارق غالب وأسرته بالانضمام إلى طبقة اجتماعية أعلى في مرحلة متقدمة من حياته..
ولكن لحسن الحظ، يظل طارق غالب وزوجته محتفظين بثقافتهم المصرية التقليدية من حيث طرق التفكير وإدارة العلاقات، بينما يعيشان نمط حياة ينتمى لطبقة أعلى بكثير من حيث أسلوب الحياة المادي ومستوى الاستهلاك..
وبالتالي يمكن تفهم تلك الثنائية والازدواج في ثقافة أبنائهم من الجيل الثاني، الذي تنتمي اليه هادية، فهو الجيل الذي شهد تلك النقلة الطبقية من الثقافة المحافظة ونمط الحياة المتوسط في البداية، ثم النقلة الى نمط حياة أكثر استهلاكا وأعلى من حيث الشريحة الاجتماعية..
تجعل تلك الازدواجية فكرة "البوركيني" مفهومة، فالمحافظة الاجتماعية (ومن ضمنها التحفظ على الجسد وتغطيته بالكامل في الفضاء العام) مسألة مستهجنة عموما في ثقافة الأرستوقراطية المصرية، لكنها ليست كذلك في ثقافة تلك الفئة من هؤلاء التي تحتفظ بجذور لها من الطبقة الوسطى والتي لم تولد في الوسط الأرستوقراطي من البداية، ولكن انتقلت اليه في منتصف حياتها..
وليس هناك أي دوافع دينية (كما هو واضح) في ترويج هادية لفكرة البوركيني في أوساط لم تتقبله في العادة، بل وحاربته سابقا في معارك شهيرة داخل الفنادق الفاخرة وسواحل الطبقات الراقية..
ولكن تتناول هادية البوركيني كأحد مكونات الثقافة المحافظة التي ماتزال حاضرة داخل أسرتها، لتتحدى به مسلّمات الطبقة الثرية، التي اكتسبت قدرتها على اختراقها من انضمام تلك الأسرة إليها بالفعل..
وقد ساعد على رواج تلك الفكرة بالأساس الدعم الذي وفره السوق الخليجي الذي يسير مسرعا باتجاه انفتاح ثقافي واسع، مع توتر منشؤه إرث الثقافة التقليدية المحافظة دينيا، ما جعل فكرة "البوركيني الفاخر" تمثل حلا سحريا لتلك المعضلة عند جمهور الخليج الثري..
وبذكاء، أدرك طارق غالب طبيعة الميديا الجديدة وإمكانيات استخدامها وتوظيفها ضمن الإدوات التي يتيحها له حضوره في شبكة الشريحة الأكثر ثراء في مصر، وفي نفس الوقت، وكأي أب محافظ، وجد أن من واجبه دعم أبنائه في مسيرة "نجاحهم" (أيضا بالمعنى الجديد للنجاح في عالم السوشيال ميديا)
لذلك، لا يجد طارق غالب أي غضاضة في أن يقوم هو بنفسه بكل "العمل الحقيقي" كأي رجل من أبناء جيل الستينات، تربى على معنى حقيقي ما لفكرة "العمل"، بينما تقف ابنته في الواجهة أو "الفاترينة" لتحصد اللايكات وتمعن في إقناع نفسها بأنها صاحبة مشروع وأنها تقوم ب"عمل" "ناجح" ولكن بمعنى مغاير تماما لكل من "العمل" و "النجاح" الذي يفهمه جيل أبوها..
ولا غرابة إذن في أن القلق المسيطر طول الوقت على عقل هادية يتمثل في غياب هذا الأب الداعم ماليا وعمليا، وهو القلق الذي تكلمت عنه بصراحة كمادة من مواد الفخر بالذات أكثر من مرة، على ما في هذا الأمر من وقاحة شديدة واختزال مؤسف لدور الأب في حياتها..
ولا غرابة أيضا في وجود شخص مثل "جيمي" يقوم بدور ال (sand bag) أو الصدادة لتلقي الإساءات من هادية وأسرتها ومحاولاتهم المستمرة لإظهاره في صورة الشخص غير الناجح الذي يتكلم كثيرا ولا يحقق أي شئ فعلى أو "نجاح ملموس"، وذلك فقط من أجل عمل (contrast) أو تمايز يساعد في التأكيد على صورة "هادية اللي ناجحة بالفعل ولا تقبل برجل أقل منها نجاحا" وهي الصورة التي تحاول بنفسها صناعتها وإقناع المشاهد (واقناع نفسها قبله) بها، بالتحالف مع الأب الذي يتصور أن ذلك التضامن الوهمي يدخل في نطاق دوره الوالدي الداعم
وفي النهاية، يبقى البطل الحقيقي لمسلسل " " (وهو العنوان الذي لا معنى له سوى التأكيد الساذج والطفولي على نفس الرسالة)، والشخص الذي لم يغب ولو للحظة عن وعي هادية طول حلقات المسلسل، هو ذلك الشخص الذي لا أعرف إسمه، والذي التقته هادية في برنامج "المواعدة العمياء"، والذي تجرأ وكسر فقاعة الوهم الذي تحيط به هادية نفسها ويشاركها فيها عدد كبير من المحيطين بها، غالبيتهم من طائفة ال(influencers) أو "المؤثرين" الذين يعتاشون على صناعة أوهام مماثلة..